دعونا نفهم المقصود بالتربية بالقرآن *
كثيرة تلك الدعوات والاهتمامات بالتربية بالقرآن -وهذا مهم جداً- وأول أمر تجب معرفته في كل شيء مقصوده؛ حتى نستطيع أن نترجم المقاصد إلى برامج عملية صحيحة.
فيمكننا القول بأن التربية بالقرآن هي : تنمية جميع جوانب الشخصية تنمية شاملة متوازنة من خلال تعلم القرآن الكریم، وتلاوته، وحفظه، وتدبره .
وقد جاء التعبير القرآني عنها بـ التزكية .
-في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيم} [البقرة:129] .
-وقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُون} [البقرة:151] .
-وقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين} [آل عمران:164] .
-وقوله تعالى : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين} [الجمعة:2] .
والمتأمل في هذه الآيات الأربع يجد أن التزكيـة التي هي نتيجة لتلاوة القرآن الكريم، جاءت مقدمة على تعليم الكتاب والحكمة في ثلاث آیات، أما الموضع الرابع والذي جاءت فيه التزكية متأخرة عن تعليم الكتاب والحكمة فهو الآية (۱۲۹) من سورة البقرة، فما سبب ذلك؟
سبب الاختلاف في ترتيب تلك الحالات - والله أعلم - أن الموضع الذي تأخرت فيه التزكية كان من دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- لهذه الأمة، وكأن اجتهادهما أدّی بهما إلى هذا الاختيار، ولكن الله عز وجل اختار لهذه الأمة أن تكون هذه التزكية حاصلة لها بسبب تلاوة القرآن الكريم قبل تعلم الكتاب والحكمة، كما جاء في المواضع الثلاثة الأخرى.
وقد جاء توضيح ذلك في الأثر المروي عن عبد الله بن عمر رضي عنهما، وفيه : "لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها و آمرها وزاجرها وما ينبغي أن نقف عنده منها، وسيأتي على الناس زمان يقرأ أحدهم المصحف من فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدقل".
ومما يوضح مفهوم التربية بالقرآن الكريم، ما كان يصنعه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقرأون العشر آيات من آيات القرآن الكریم، فقد أخبر أبو عبد الرحمن السلمي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ما كانوا يتجاوزون العشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل .
ونخلص بهذا إلى أن المراد بالتربية بالقرآن الكريم هي تزكية النفس به وتنمية جوانبها بشكل كامل، ومتوازن ومتدرج، کما وصفت عائشة رضي الله عنها خلق النبي صلى الله عليه وسلم بقولها: " كان خلقه القرآن".
ومعنى كون القرآن خلقا له : أنه صلى الله عليه وسلم كان متمسکاً بآدابه وأوامره ونواهيه، فكل ما قصه الله تعالى في كتابه الكريم من مكارم الأخلاق سواءً كانت في قصص الأنبياء عليهم السلام أو الصالحين كان النبي صلى الله عليه وسلم متخلقا به، وكل ما نهى الله تعالى عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عنه.
ويبقى سؤال مهم:
كيف أبني لنفسي أو لأولادي خطة قرآنية للتربية القرآنية؟
وجوابه يكمن في الجلوس مع مستشارين متخصصين في ذلك، وأخذ آرائهم، ومشورتهم في هذا المجال العظيم، عبر المراكز والمؤسسات المتخصصة، والتي منها مركز إجلال القرآني الوقفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أصل هذه المقالة "بتصرف يسير وإضافات" من كتاب : معوقات التربية القرآنية - تأليف : أ.د/ العباس بن حسين الحازمي – أستاذ القرآن وعلومه في جامعة الإمام