أمانة حرف: حكاية ابن غطّوس والمصحف
كان ابن غطّوس أشهر بائع للمصاحف القرآنية في "بلنسية"،وله شهرة واسعة في حواضر الأندلس جميعها، وقد أتقن الكتابة إتقاناً يضرب به المثل، حتى كان يخلط المداد بالمسك والعنبر؛ لتعبق له رائحة بين السطور يتنشقها قارئ الكتاب العزيز، وكانت الألوان تتعدد في السطر الواحد، ما بين حمراء وسوداء وخضراء وصفراء، إذ للكسرة لون، وللفتحة لون، وللضمة لون، وللسكون لون، غير أشكال التنوين؛ فإنها تكتب بالمداد الأزرق، وذلك جهد قدّره عارفوه.
وقد جاءه يوماً زائر غريب من بلدة قاصية، فاشترى مصحفاً فخماً، دفع فيه مئتی دينار، بذلها في سماحة، ثم توجه إلى بلدته، وكانت على مسيرة أربعين يوماً من بلنسية، ولكن ابن غطّوس بعد أمد يسير شك في خطأ في خط آية كريمة، وخاف أن يكون هذا الخطأ في المصحف المباع، فأخذته الحيرة، وتضاعفت المسؤولية في نظره، حيث إن الكتاب كتاب الله، وهو مسؤول عن صحّة ما به، فرأي أن ينجو من حيرته، وأن يتهيأ للرحيل إلى بلدة المشتري، وقاسى المتاعب خلال أربعين يوماً، لم تنقطع بها الرحلة في ليل أو نهار، حتى طرق باب المشتري وباغته، وقال له: أين المصحف؟
فدهش الرجل، وقال: ابدأ بالسلام يا رجل، فالمصحف مصحفي لم أسرقه، ولم أغصبه، بل اشتريته بما اقترحت من ثمن!
فقال ابن غطّوس : سامحك الله! ما جئت لأنتزعه منك، ولكن توهمت خطأ في شكل حرف من حروفه، فتعاظمني الخطب، ولم أهدأ حتى جئت إليك.
فأسرع الرجل بإحضار المصحف، ففتحه ابن غطّوس في لهفة، وعمد إلى آية من سورة الزخرف فقرأها، ثم أخرج مطرقة ذات حد رقيق من جيبه، وعالج بعض الشكل، حتى تحول من ضمة إلى سكون، وأعاد السكون باللون الموافق، وقال: الحمدلله، لقد برئت ذمتي.
والناس من حوله مندهشون.
ينظر: طرائف ومسامرات، للبيومي- ص١٠٥
بعض مصاحفه التي خطّها بيده لا زالت تحتفظ بها خزائن المخطوطات اليوم⬇️


