بسم الله الرحمن الرحيم
سائل يسأل: أأقرأ القرآن الكريم أم أستمع إليه؟
أثنى المولى سبحانه على من تتلى عليه آياته ، وخشع لها قلبه ، ولم يذكر البكاء والخشوع وزيادة الإيمان حين أثنى على التالين والقارئين ، بل ذكره في مقام الثناء على المستمعين ، كقوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنا ﴾ [الأنفال: ٢] وقوله : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمع ﴾ [المائدة: ۸۳] وقوله: ﴿قُلۡ ءَامِنُوا۟ بِهِۦۤ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ مِن قَبۡلِهِۦۤ إِذَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ یَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ سُجَّدࣰا ١٠٧ وَیَقُولُونَ سُبۡحَـٰنَ رَبِّنَاۤ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولࣰا ١٠٨ وَیَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ یَبۡكُونَ وَیَزِیدُهُمۡ خُشُوعࣰا ۩ ١٠٩﴾ [الإسراء ١٠٧-١٠٩]
وقوله : ﴿ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدࣰا وَبُكِیࣰّا ۩﴾ [مريم ٥٨]
وقال في الذين يتلونه : ﴿ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن یَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة ١٢١]وقال : ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَتۡلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ یَرۡجُونَ تِجَـٰرَةࣰ لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] إلى آخر الآيات .
فلو قال قائل : إن الاستماع أفضل من القراءة لكان له في هذه الآيات مستمسك يحتج به ... وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث الحسن عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال : " من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة ". المسند : ٢ / ٣٤١
وقال النبي ﷺ لابن مسعود :" إني أحب أن أسمعه من غيري "البخاري ( ٤٣٠٦ ) ومسلم ( ١٩٠٣ ).
ومن كان لا يمكنه التلاوة ، أو أحب أن يسمع القرآن من غيره، وجعل ذلك ورده فحسن ، إلا أننا لا نجزم أن له أجر التلاوة ، وقد يكون له من الأجر مثله أو أقل، وقد يكون أكثر إذا كان انتفاعه أكثر ، ومعلوم أن انتفاع السامع في الغالب أشد من انتفاع القارئ ، لخلو ذهنه من كل شيء إلا من تدبّر ما يسمع ؛ إذ لا يشغله معاناة حفظ ولا نطق ولا مدافعة رياء ولا تعب صوت ، ، والمرء يتأثر بتلاوة غيره أكثر من قراءته لنفسه ، وقد وصف القرآن السامعين بالخشوع ووجل القلوب ، وذرف الدموع في غير ما آية ، ولم يصفهم بشيء من ذلك حال التلاوة .
ذلك كله فإننا نرى لمن يستطيع القراءة أن يكون ورده متلوا ، وأن يستمع بعد ذلك ما شاء.
ولا شك أن الاستماع له أثر على القلب أكبرُ من أثر التلاوة ؛ لأن المستمع أكثر جمعية للقلب وأبعد عن الصوارف ، والتالي مشتغل بالنطق والحفظ إن كان يقرأ من حفظه ، وبالجهر ، وملاحظة من يستمع إليه ، وربَّما أعجبه صوته.
فالفضل يعود – إذن - إلى حال القارئ ، أو المستمع ، فإن كان حال القارئ أتمّ في خشوعه وتدبره وحضور قلبه فهو أفضل ، فإن فُرض استواء الحالين - حال المستمع وحال القارئ - فالقراءة حينئذ أفضل ؛ لأن فيها عملا زائدًا، وهو تحريك اللسان والنطق بالحروف ، وله بكل حرف ينطق به عشر حسنات.
المرجع/ كتاب تحزيب القرآن؛ للدكتور عبد العزيز الحربي